صفي الرحمان مباركفوري

391

الرحيق المختوم

16 - علي بن أبي طالب إلى نجران ( لجمع الصدقة والجزية كليهما ) . وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم سنة 9 ه ، بل تأخر بعث عدة منهم إلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها . نعم كانت بداية بعث العمال بهذا الاهتمام البالغ في المحرم سنة 9 ه . وهذا يدل على مدى نجاح الدعوة الإسلامية بعد هدنة الحديبية ، وأما بعد فتح مكة فقد دخل الناس في دين اللّه أفواجا . السرايا وكما بعث المصدقون إلى القبائل ، مست الحاجة إلى بعث عدة من السرايا ، مع سيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة . وهاك لوحة تلك السرايا : 1 - سرية عيينة بن حصن الفزاري - في المحرم سنة 9 ه - إلى بني تميم ، في خمسين فارسا ، لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري ، وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل ، ومنعوهم عن أداء الجزية . وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار ، حتى هجم عليهم في الصحراء ، فولى القوم مدبرين ، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا ، وساقهم إلى المدينة ، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث . وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم ، فجاءوا إلى باب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فنادوا : يا محمد اخرج إلينا ، فخرج فتعلقوا به ، وجعلوا يكلمونه ، فوقف معهم ، ثم مضى حتى صلى الظهر ، ثم جلس في صحن المسجد ، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهاة ، وقدموا خطيبهم عطارد ابن حاجب فتكلم ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس - خطيب الإسلام - فأجابهم ، ثم قدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد مفاخرا ، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة . ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس : خطيبه أخطب من خطيبنا ، وشاعره أشعر من شاعرنا ، وأصواتهم أعلى من أصواتنا ، وأقوالهم أعلى من أقوالنا ، ثم أسلموا فأجازهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأحسن جوائزهم ، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم « 1 » .

--> ( 1 ) هكذا ذكره أهل المغازي إن هذه السرية كانت في المحرم سنة 9 ه . وفيه نظر ظاهر ، فإن السياق يشعر بأن الأقرع بن حابس لم يكن قبلها ، وقد ذكروا أن الأقرع بن حابس هو الذي قال حين استرد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبايا بني هوازن : أما أنا وبنو تميم فلا . وهذا يقتضي إسلامه قبل هذه السرية .